المقريزي
113
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الستة عشر ذراعا أو نقص عنها نقص من خراج السلطان ، وقد تغير في زماننا هذا عامة ما تقدّم ذكره لفساد حال الجسور والترع والخلجان وقانون اليوم : أنه يزيد في القيظ إذا حلت الشمس برج السرطان والأسد والسنبلة حين تنقص عامة الأنهار التي في المعمور ، ولذلك قيل : إن الأنهار تمدّه بمائها عند غيضها ، فتكون زيادته وتبتدىء الزيادة من خامس بؤنة « 1 » ، وتظهر في ثاني عشره ، وأول دفعه في الثاني من أبيب « 2 » وتنتهي زيادته في ثامن بابه « 3 » ، ويؤخذ في النقصان من العشرين منه . فتكون مدّة زيادته من ابتدائها إلى أن ينقص ثلاثة أشهر وخمسة وعشرين يوما . وهي : أبيب ومسرى « 4 » وتوت « 5 » وعشرون يوما من بابه ، ومدّة مكثه بعد انتهاء زيادته اثنا عشر يوما ثم يأخذ في النقصان . ومن العادة أن ينادى عليه دائما في اليوم السابع والعشرين من بؤنة بعد ما يؤخذ قاعه ، وهو ما بقي من الماء القديم في ثالث عشر بؤنة ، وبفتح الخليج الكبير إذا أكمل الماء ستة عشر ذراعا وأدركت الناس يقولون : نعوذ بالله من أصبع من عشرين وكنا نعهد الماء إذا بلغ أصابع من عشرين ذراعا فاض ماء النيل ، وغرّق الضياع والبساتين وفارت البلاليع ، وها نحن في زمن منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة إذا بلغ الماء في سنة أصبعا من عشرين لا يعم الأرض كلها لما قد فسد من الجسور ، وكان إلى ما بعد الخمسمائة من الهجرة قانون النيل ستة عشر ذراعا في مقياس الجزيرة ، وهي في الحقيقة ثمانية عشر ذراعا ؛ وكانوا يقولون : إذا زاد على ذلك ذراعا واحدة ؛ زاد خراج مصر مائة ألف دينار لما يروي من الأراضي العالية ؛ فإن بلغ ثمانية عشر ذراعا كانت الغاية القصوى ، فإن الثمانية عشر ذراعا في مقياس الجزيرة اثنان وعشرون ذراعا في الصعيد الأعلى ؛ فإن زاد على الثمانية عشر ذراعا واحدا نقص من الخراج مائة ألف دينار لما يستبحر من الأرض المنخفضة . قال ابن ميسر في حوادث سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، وفيها بلغت زيادة ماء النيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع ، وبلغ الماء الباب الجديد أوّل الشارع خارج القاهرة ، وكان الناس يتوجهون إلى القاهرة من مصر من ناحية المقابر ، فلما بلغ الخليفة الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد بن محمد أن الماء وصل إلى الباب الجديد أظهر الحزن ، والانقطاع فدخل إليه بعض خواصه ، وسأله عن السبب ، فأخرج له كتابا فإذا فيه : إذا وصل الماء بالباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد ، ثم قال : هذا الكتاب الذي تعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا ،
--> ( 1 ) بؤنة هو شهر حزيران عند القبط . ( 2 ) أبيب هو شهر تموز . ( 3 ) بابه هو شهر تشرين الأول . ( 4 ) مسرى هو شهر آب . ( 5 ) توت هو أيلول .